السيد حيدر الآملي
545
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
هذين العالمين وتطبيق هاتين الصورتين في المقدمة الثّانية أبسط من ذلك مطابقا لقوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ سورة فصّلت : 53 ] . لكن قبل الوصول إلى تلك المقدمة والشروع في ذلك التطبيق لا بد لك من ضرب مثال في هذا الباب ووضع دائرتين مشتملتين على هذين العالمين أعني الآفاق والأنفس بحيث لا يبقى لك في هذا المعنى إشكال وتعرف مقام الأقطاب السبعة فيها ، ومقام الأئمة الاثني عشر كذلك ، لأن الشيء إذا صعب إدراكه على العقل من حيث التعقل ليس هناك أنسب من الأشكال الحسية ليتوصل بها العقل وهو حينئذ إلى المطلوب سريعا ، ومن هنا اشتمل القرآن على ضرب مثال في أكثر المواضع لقوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : 43 ] . ولقوله : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ سورة الزمر : 27 ] . ( رئيس المعارف الثلاث : معرفة الحق ، معرفة الآفاق ، معرفة الأنفس ) ولا بد لنا في هذا المثال والدائرة من تقديم ضابطة كلية تكون معينا لك في فهم هذا المعنى فنقول : اعلم ، أنه قد سبق في أول المقدمة أن رئيس المعارف كلها ثلاثة ، معرفة الحق تعالى ، ومعرفة العالم المسمى بالآفاق ، ومعرفة الإنسان المسمى بالأنفس ، لأن كل من حصل له هذه المعارف الثلاث فقد حصل له جميع المعارف الإلهية على حسب طبقاتها ، وجميع المعارف الكونية من الملك والملكوت والجبروت ، وتحصيل هذه المعارف بدون تطبيق الآفاق بالأنفس مستحيل ممتنع كما أشرنا إليه